حينما تغتال “الهواية” طموح الاحتراف
لا يمكن قراءة المشهد الرياضي العماني اليوم، وتحديداً في أروقة “دوري جندال”، بمعزل عن حالة الارتباك التي تسيطر على مفاصل القرار في العديد من الأندية.
إننا أمام معضلة حقيقية تتجاوز مجرد ” خسارة مباراة ” أو ” تراجع مستوى “، لتصل إلى جذر المشكلة: الفوضى الإدارية التي باتت تنخر في جسد كرتنا المحلية.
لقد ابتُليت الرياضة في عُمان بعقول تُدير بمنطق ” الفزعة ” والتطوع العاطفي، في زمنٍ أصبح فيه الاستثمار الرياضي علماً يُدرس، وصناعة تُبنى على لغة الأرقام والاستراتيجيات، لا على الاجتهادات الشخصية المفتقرة لأبسط أبجديات الإدارة.
1. فوضى “المتطوع” في زمن “المحترف”
يكمن الخلل العميق في الاعتماد الكلي على كوادر إدارية ، رغم إخلاصها ونيتها الطيبة ، إلا أنها تفتقر للتخصص.
الإدارة الرياضية ليست وجاهة اجتماعية، بل هي:
هندسة ميزانيات: تجنيب الأندية الغرق في الديون والقضايا الدولية.
تخطيط فني:
بناء هوية للفريق تمتد لسنوات، لا تنتهي برحيل مدرب أو إدارة.
تسويق وابتكار: القدرة على تحويل النادي إلى علامة تجارية جاذبة للشركات والمستثمرين.
حين يغيب “المحترف المتخصص” ويحضر “المتطوع الهاوي”، تتحول الأندية إلى ساحات للتجارب، وتضيع الحقوق، ويصبح التخبط هو العنوان الأبرز خلف الكواليس.
2. غياب الرؤية ومسؤولية المؤسسات
الواقع المرير الذي تعيشه بعض الأندية يضع “الاتحاد العماني لكرة القدم” و “وزارة الثقافة والرياضة والشباب” أمام مسؤولية تاريخية.
لا يمكننا انتظار نهضة كروية والأساس الإداري منكسر وهش.
إن الحل لا يكمن في “المنح المالية” فقط، بل في صناعة الكادر البشري .
فسكب الماء في إناء مثقوب لن يملأه أبداً؛ وبالمثل، فإن ضخ الأموال في أندية تفتقر للفكر الإداري الرشيد هو هدر للموارد الوطنية.
3. خارطة الطريق:
من “الفوضى” إلى “المؤسسة “
إنقاذ ما يمكن إنقاذه يتطلب خطوات حازمة وسريعة، تتمثل في:
💥 ثورة التأهيل : إطلاق ورش عمل وطنية مكثفة، وبرامج دبلوم مهني في الإدارة الرياضية، تكون “إلزامية” لكل من يتصدر المشهد الإداري في الأندية.
حوكمة الأندية:
فرض معايير إدارية ومالية صارمة لا تقبل القسمة على اثنين، ومحاسبة الإدارات على الإخفاقات الناتجة عن سوء التدبير.
التحول نحو التخصيص :
تشجيع دخول القطاع الخاص ليس كراعٍ فحسب، بل كشريك إداري يطبق معايير الجودة والربحية.
ختاماً:
الرياضة أمانة وليست تجربة
إن الجماهير العمانية التي تملأ المدرجات شغفاً ، تستحق أندية تُدار بعقلية القرن الحادي والعشرين.
الرياضة في عمان لن تنهض طالما بقيت رهينة “للعشوائية” و”الارتجال”. لقد حان الوقت لرفع الوصاية “التطوعية” الضعيفة عن أنديتنا، واستبدالها برؤية علمية احترافية، ليعود للرياضة العمانية هيبتها وبريقها.
فهل نرى تحركاً عاجلاً يضع النقاط على الحروف، أم ستستمر “الفوضى” في كتابة فصول الانكسار ؟
